التعبير بين حرية النقد والتخوين! مختارات مجلة “ربيع ثورة”

يعتبر النقدُ أصعبَ أنواع التعبير، والناقدُ أشدُّ تعرُّضًا للمُخاطرةِ من أيِّ مُتكلِّمٍ آخر، فالذي يكفل حريَّة النقد ويتعاملُ معها بشكلٍ مُرْضٍ؛ سيكفُل – من باب أولى – حريَّة التعبير، ويتعامل معها بشكلٍ مُرْضٍ.
والنقد موجودٌ وحاضرٌ بوضوحٍ في الخطاب القرآنيّ والنبويّ، ويُعبَّر عنه – في الغالب – بمصطلح النصيحة ومشتقاتها، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – قد حصر الدين في النصيحة حين قال:
“الدين النصيحة”، فأسندَ الاسمين الـمُعرَّفين إلى بعضهما، وهذا من الحصر والقصر، فكأنَّ الدين
هو النصيحة، والنَّصيحة هي الدين؛ فلا يتمُّ دينُ المرء إلا بمناصحته للناس، ولا يكون المرءُ دَيِّنًا إلا بقدر ما يلتزمُ بالنصيحة وآدابها.
وإن دققنا النظر نجد أن النصيحة تتميز عن النقد بعدة أمور؛ منها أنَّ الناصح يرى النُّصح واجبًا عليه لا تفضُّلًا، ولا امتنانًا.
ومنها أنَّ الناصحَ يحمل من الشفقةِ والرغبة في الإصلاحِ ما قد لا يحمله الناقدُ نقدًا مُجرَّدًا، والمزية الثالثة للنصيحة على النقدِ أنَّ الشرعَ ضبطها بضوابط، وجعل لها آدابًا يجب على الناصح التزامها تديُّنًا وتجمُّلًا.
لكن المشكلة أن هناك من النُّقَّاد من يحسبون أنفسهم مُلَّاك الحقيقة الـمُطلقة، ينقدون ويتعاملون وَفْقَ قناعةِ أنَّهم فوق النقد، لا يؤمنون إلا بالنقد من طرفٍ واحدٍ، وشعارهم: رأيي صوابٌ ولا شكَّ، ورأيُ غيري عَكٌّ أكٌّ! ، تجدهم يتعاملون على أنَّهم طبقةٌ أخرى من الناس، وأنَّ الأرض التي يطؤونها هي سماءُ غيرهم، وأنَّ الهواءَ الذي يتنفسونه نوعٌ من الإلهام لا يُطارُ إليه على جناحٍ، ولا يُسعى على قدمٍ، وأنَّ الحبر الذي يكتبون به خمرٌ مُعتَّقَةٌ لا يستطيعُ معاقرتها المراهقون الذين تُدوِّخُهم رائحةُ الماء! ، بل ويعتبرون ما يكتبونه أو ما يُبدونه من انتقاداتٍ لغيرهم دستورًا يجب ألَّا يُحاد عنه، وألَّا يُصار إلى سواه، وإلا فلتنتظر البلاد والعباد الويل والثبور وعظائم الأمور! وعليه؛ لا يتصوَّرون أن يُخالفهم أحدٌ الرأي أو يرى إلا ما يرون.
تراهم يتصنَّعون الثقة بالنفس والهدوءَ ورباطة الجأش، ويظلُّون على حالهم تلك ما داموا لم يلاقوا من يُفحمهم بالحجَّة ويزلزلهم بالبرهان، فإن وجدوه ثاروا وانقلبَ النسيمُ إعصارًا، والدفء نارًا.
يتعصَّبون لأنفسهم، وما علموا أنَّه لا فرق بين من يتعصَّبُ لشيخٍ أو عالمٍ أو منهج، وبين من يتعصَّب لنفسه وهواها، وأخطر ما فيهم أنَّهم قد يعترفون لكَ على مضض أنَّهم بشرٌ يُخطئون، وليست تلك المشكلة، أمَّا المشكلة – في تقديرهم – أنَّه لا يوجدُ فيمن حولهم مؤهَّلٌ لنقدهم، فهمْ ليسوا ضدَّ النقد؛ ولكن هذا مقام لم يخلق الله له أهلًا بعدُ!، وآخرون ملَّ منهم الكلامُ بأنَّهمْ ليسوا فوق النقدِ، وأنَّهم أسمحُ الناس، وأحرصهم على قبول النصيحة، هذا بلسان مقالهم، فإن أتبعتَ من ذلك سببًا إلى تقويم بعض ما هم فيه؛ تصايحَ مُريدوه من أطرافها: كيف، ومَنْ أنتَ؟ وماذا تقول؟ فهل هذا ما تربَّوا عليه؟ وهل هذا ما فهمته جوارحهم إذ كلَّت ألبابُهم؟ وأخطرُ من كلِّ هؤلاء: مَن يتحصَّنُ ضدَّ النَّقدِ باستئثاره بالتوقيع عن الله، والفَهْمِ عنه، يُحيطُ نفسه بهالةٍ أُعدَّت للنّاقدين المعترضين، وإن كانوا مُحقِّينَ ناصحينَ.
نعم، إن حرية التعبير مصونة ما دامت ضمن الضوابط والمعايير، فلا حرية مطلقة أو لِنَقُل: “ليس في العقل شيء يُسمَّى حُرِّيَّةً مطبوعةً تعلو على الحرية المخلوقة بالانطلاق من جميع القيود؛ لأن الانطلاق من جميع القيود غير معقول وغير موجود ” كما يقول العقاد.
وأيضاً إن النقد مطلوب، فلا أحد يمتلك الحق المطلق، والرد له ضوابط وآداب، وهذا منهج العلماء، فلم يُسمع عن أحدٍ منهم أنَّه قال عن المعتزلة مثلاً –في معرض الرَّدِّ عليهم- أنهم يقبضون أموالاً من الخليفة!.. بل كان الرد علمياً بتفنيد كل ما قالوا.. ولهذا نقول: نعم؛ إنَّ الإسلام وضع حُدودًا تصون المقدسات، فلا تُنتهك الأعراضُ والقيمُ والفضائلُ باسم حرية التعبير، وفي هذا صيانةٌ لصاحب الرأي نفسه قبل صيانةِ المُقدَّسات، وأيضاً لا يجرح بالأشخاص تحت مبدأ النقد وإلا صار نقضاً في صورة بعيدة كل البعد عن “النصيحة”.

Man being scolded by his shadow

 

ربيع ثورة

تجمع ثوري في جنوب دمشق