الشباب السوري المعارض وظاهرة العزوف عن العمل السياسي

قامت الثورة السورية من أجل تحقيق مطالب عديدة، كان لغيابها أثرٌ سلبي في مختلف نواحي الحياة، ساهم إلى حدّ بعيد في بلورة حالة الفوضى والانقسام التي نعيشها اليوم، بل أدّى أيضًا إلى تعميق الشروخ المجتمعية والهوّات الثقافية، في أوساط المجتمع السوري. ولا نتحدث هنا عن المطالب العامة التي نادى بها الشارع السوري الثائر، كمطلبَي الحرية والكرامة، بل عن جزئية ترتبط وتنتمي إلى المصفوفة الفكرية التي قامت الثورة السورية بسببها، وهي استعادة الشارع السوري للعمل السياسي.

لطالما انطوت الثورات ضد الاستبداد عبر التاريخ على هذه القضية المهمة -وإن لم يعبّر عنها حرفيًا- ولطالما كان التهميش السياسي للشارع ومصادرة العمل به أحد أهم أسباب اندلاع الثورات التحررية من الطغم وأنظمة الحكم المستبدة، ولطالما اعتُبر إنجاز هذه القضية مؤشرًا على نجاح أو فشل هذه الثورة أو تلك.

في الحالة السورية، فشلت الثورة -حتى يومها هذا- في تنظيم ذاتها؛ وبالتالي فقد فشلت في إعادة الحراك والعمل السياسي إلى الشارع السوري، ولا يتسع الحديث -في هذا المقام- للتطرق إلى مقدّمات هذا الفشل وأسبابه، وعوامله الذاتية والموضوعية. وسنتناول عاملًا أساسيًا من عوامل هذا الفشل، يتركز على مقاربات لأسباب عزوف الشباب عن العمل السياسي، ومآلاته في تأجيل حسم الثورة لصالح أبنائها.

إذا ما أردنا أن نبتدئ بالعوامل الموضوعية لهذه الظاهرة؛ فسنجد أنّ معطيات الساحة السياسية -ما بعد الثورة- تنقسم إلى أربع: المعارضة التقليدية، الكيانات التي ادّعت التمثيل السياسي للثورة، الافتقار -أو شبه انعدام- إلى النخب السياسية المنخرطة عمليًا مع فئة الشباب، الأحزاب الناشئة خلال الثورة. وأعتقد بأن الاستقراء العقلاني لهذه الساحة سيُظهر لنا -إيجازًا- ما يلي:

1- أظهرت الثورة، منذ أيامها الأولى، عقم الأحزاب المعارضة التقليدية في سورية؛ إذ عجزت هذه المعارضة عن مواكبة الثورة، كما عجزت عن توحيد صفوفها، في المواقف والرؤى والاستراتيجيات، وحتى في الأهداف، ناهيك عن بنيتها الأيديولوجية التي أصبحت خارج التاريخ، ولن تجدَ فيها ما يغري الشباب السوري بالانضمام إلى صفوفها. ومن العقلانية -هنا- عدم التعويل على أي طرف من أطرافها، بأن يكون فاعلًا في الحد من هذه الظاهرة، أو مساهمًا في تحفيز الشباب على الخوض في غمار العمل السياسي.

2- أما الكيانات التي ادّعت تمثيل الثورة -سياسيًا- فقد رأينا مدى عجزها عن أداء هذه المهمة، وكيف تلاعبت بها الدول التي صنعتها؛ لتصبح مع الأيام مجرد طرف ثانوي يُملى عليه، دون أي فعل سياسي وازن، أو ثقل سياسي له صفة المؤثر. ومن بديهيات المنطق -هنا أيضًا- عدم التعويل عليها، بل يجب عدّها عائقًا أساسيًا يزيد من حجم ظاهرة العزوف الشبابي عن العمل السياسي، وسببًا أساسًا من أسباب استمرارها، لما رآه الشباب فيهم من مبددٍ لامتيازات، دُفع ثمنها دماء ودمار، بدل استثمارها بما يدعم ويقوي موقف الثورة السياسي.

3- إن إشكالية غياب النخب الفكرية والسياسية حالت دون تكوين مرجعيات لدى فئة الشباب؛ فغاب على أثرها -أيضًا- تعميم الخبرات، وحرق المراحل، وترتيب الأولويات، والخوض فيها. هذا الغياب شكّل فراغًا كبيرًا، عملت على ملئه مرجعيات دينية وأخرى شعبية، لا ناقة لها، بالفكر وبالسياسة، ولا جمل.

4- في السياق ذاته، إن من المُجدي والمهم معًا، توجيه النقد إلى الأحزاب الناشئة في خضم الثورة، والتي عجزت -حتى الآن- في استقطاب الشباب -سياسيًا- فقد اتضح عوزها لخطاب يتماشى مع ما طرأ من مستجدات في الساحة السورية، من قضايا ومفاهيم وأولويات أفرزتها الثورة، مع الأخذ بعين الموضوعية الوقت القصير -نسبيًا- الذي يفصل يوم تأسيسها عن يومنا هذا. وإذا أردنا التعويل على حوامل معنية بتقديم أجوبة ناجعة لهذه الظاهرة؛ فلن نجد أمامنا إلا هذا المعطى كي نعول عليه، وننتظر منه إنتاج خطاب قادر على خلخلة هذ الظاهرة، والبدء في تفعيل انخراط الشباب السوري، في أطر وتنظيمات سياسية لا أيديولوجية، ذات قوام وبنًى وطنية بصيغ برامجية.

أما عن العوامل الذاتية لهذه الظاهرة، فاعتقد بأنها تتلخص بـ:

1- الشباب السوري -بأغلبيته- لا ينسجم مع الحالة التنظيمية، “وكي لا يظهر هذا التقييم على أنه تهكمي أو غير موضوعي، ما علينا سوى سبر تجاربنا التنظيمية بشكلها العام خلال الثورة -على الأقل- سواء في المبادرات السياسية التي طُرحت، والتي طالما افتقرت إلى الجانب التنظيمي -حتى على المستوى النظري- أم في العمل المدني المنتظم، والذي سرعان ما يبدأ بالتململ وينتهي بالانشقاق والتشظي؛ أم على صعيد العمل السياسي المحض (من أحزاب وحركات وتيارات ومجموعات عمل وغيرها) والذي ترافق -ويترافق- مع الانسحاب السريع والمتعجّل، والاكتفاء بالنقد بدل المبادرة وتحفيز العمل”.

2- ما يحيط بصفة العمل السياسي من لغط، وما يعتريها من تصورات ذهنية سيئة. ونعزو هذا إلى بساطة الوعي السياسي، عند فئة ليست قليلة من الشباب، فكثيرًا ما نجد ترادفًا لصيقًا ما بين مفردة “سياسي” ومفردات أخرى: “انتهازي، وصولي، سارق الجهود الجماعية”، وغيرها، وهذا -بالضرورة- لن يشكل دافعًا للشباب لممارسة العمل السياسي.

3- غياب الثقة بين السوريين عمومًا، وبينهم وبين أشكال العمل السياسي، نتيجة الانتكاسات والإرهاصات التي عايشوها، خلال الثورة أو ما قبلها من جهة، وعدم امتلاكهم لقناعة راسخة، حول حتمية الدور السياسي في تتويج خلاصة شتى الجهود المبذولة في جميع قطاعات الثورة، من إعلامي وطبي وثقافي وفكري وصحّي، وغيرها.

4- الخبرة القليلة -إن لم نقل النادرة- في مضمار العمل السياسي، عند الشباب السوري، فالشباب السوري -اليوم- وُلد وترعرع في ظل حالة الطوارئ والأحكام العرفية، لنظام أمني مجرم، جعل ممارسةَ العمل السياسي جريمةً لا تغتفر.

5- الضغوط الهائلة التي يتعرض لها الشباب السوري -وهذا ينطبق على الشباب السوري في الداخل والخارج- والتي تَحول دون جعل العمل السياسي من ضمن أولوياته، بل اعتباره -غالبًا- ضربًا من الرفاهية.

لا شكّ أن هناك عوامل أخرى تؤخذ في الحسبان، عند الوقوف على قضايا كهذي، تعود جذورها إلى الثقافة السائدة في المجتمع المعني، وتساهم إلى حد بعيد في إضفاء طابعها العام عليها، فثقافتنا السائدة لا ديمقراطية، وهي لا تقبل الآخر ولا تتقبّله، وغير معنية بنجاح هدف عام، يكون به “الشخصي” مغيبًا أو غير ظاهر، فتضخم “الأنا” الناتج عن عقود من الاستبداد والممارسات القمعية -بشقيها الثقافي والسياسي- سيشكل عائقًا أمام أي عمل جماعي منظم، ليست “التنسيقية” أولها، ولا “الحزب” آخرها. وعلى الشباب السوري قراءة هذا الواقع وتجاوزه، بهدف المشاركة الفعلية والجادة في العمل السياسي، والذي لا يمكن إتمام ما بدأه السوريون في آذار/ مارس 2011 من دونه، فالمشاركة في العمل والفعل السياسي ستسهم إسهامًا كبيرًا في وضع حد للمقتلة السورية، واستكمال تحقيق ما سعت الثورة السورية إلى تحقيقه.

المصدر: شبكة جيرون اضغط هنا

ربيع ثورة

تجمع ثوري في جنوب دمشق