قصة فشل إمبراطوريتين في أفغانستان والشام “مقال رأي”

لا أدري كيف قرأت موسكو والقرداحة وطهران تصريحات قائد القوات الأمريكية في أفغانستان جون نيكولسون حين أعلن بأن قواته محاصرة في كل أفغانستان عاجزة عن التحرك على الطرق البرية بسبب عمليات وهجمات مقاتلي حركة طالبان الأفغانية، وأن كل تحركاتها اليوم تجري بالمروحيات، وهو ما يذكر بتحركات القوات الأمريكية أواخر حربهم مع الفيتناميين إلى أن تم إجلاؤهم بالمروحيات من على أسطح البنايات التي كانوا يقيمون فيها، وفي نفس البرنامج الذي بثته قناة تلفزيونية أمريكية جاء لقاء الرئيس الأفغاني أشرف غني ليوضح ما بين السطور ويفجر قنبلة تصل شظاياها ليس إلى عاصمة القرار الأمريكي وإنما حتى إلى موسكو وطهران والقرداحة بكل تأكيد، حين قال إن قواته لن تصمد أكثر من ستة أشهر في حال انسحبت القوات الأمريكية من أفغانستان.

أكاد أجزم أن كلاً من موسكو وطهران والقرداحة توقفت طويلاً عند هذه التصريحات، وشرعوا بعملية مقايسة للوضعين على الأرض، فإن كانت القوات الأمريكية بعد سبعة عشر عاماً من الاحتلال لأفغانستان ومعها 38 دولة وتفويضات دولية ومبررات أخلاقية يراها البعض حين خلعت طالبان عن السلطة لإيوائها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي شن عليها غزوتي نيويورك و واشنطن، فكيف سيكون الوضع بعد رحيل أو تخفيف الاحتلالين الإيراني والروسي في سوريا، ونحن نرى الاحتجاجات الإيرانية ضد هذا الاحتلال كونه يستنزف الميزانية الإيرانية، ومثل هذه الاحتجاجات قد نراها في موسكو بسبب عقوبات أمريكية باتت تستفزّ النخب المالية الروسية، أو لأي سبب آخر.

التصريحات الأمريكية بما يتعلق في أفغانستان وباكستان تشي بكل وضوح أن واشنطن مأزومة في أفغانستان وأنها تعاني معاناة حقيقية، ولذا استغل وزير الخارجية الباكستانية خواجا آصف الوضع مطالباً واشنطن بالاعتراف بفشلها في أفغانستان، وتصحيحاً لخطأ يراه الباكستانيون قد ابتلعوه على مضض سابقاً من أنهم شريك عسكري فقط وليس شريكاً سياسياً في أفغانستان. بعد أن اتجهت واشنطن نحو نيودلهي لملء هذا الفراغ فعجزت عنه، بسبب إمساك الخصم الباكستاني وبقوة بالورقة الطالبانية الفاعلة على الأرض، ولأسباب كثيرة أخرى، مما حتّم على واشنطن التعامل معها مكرهة.

المعطيات الغربية على الأرض تقول إن واشنطن خسرت حتى الآن أكثر من 2400 جندي وضابط على الأرض الأفغانية منذ عام 2001 والتي تدخل عامها السابع عشر، وهي أطول الحروب الأمريكية، فضلاً عن خسائر مالية ضخمة قُدرت بـ تريليون دولار أمريكي منذ عام 2002 فقط بينها، 121 مليار دولار للإعمار وبلغت 60% منها لبناء القوات الأفغانية الذي يرى الرئيس الأفغاني اليوم أنها لن تصمد أكثر من ستة أشهر في حال تخلت هذه القوات عنه.

غطيت الحرب الأفغانية أيام الاحتلالين السوفياتي 1979-1989 والأمريكي منذ عام 2001 وحتى الآن وأكاد أجزم أن النتيجة لن تكون سوى بقاء عظام إمبراطوريات في أرض الأفغان وهي المعروفة ببأسها وشدة مراسها في الحروب منذ المغول والبريطانيين والسوفييت والآن الأمريكيين ولكن لم يتعلم اللاحق من السابق شيئاً في أرض الأفغان.

تعامل السوريون قديماً مع الغزو الفارسي، وجابهوا حرقهم البيوت والقرى بالجنرال صبر ما داموا أهل الأرض الذي عُرفوا بالتشبث بها، وكذلك تعامل السوريون مع الحملات المغولية والصليبية و مع الاحتلال الفرنسي و حرقهم للشام وللغوطة بنفس الطريقة، مستمسكين بالجنرال صبر أيضاً ولا يزالون، فلم تنفع مع الاحتلال كافة الأسلحة المحرمة دولياً المستخدمة ضد ثورة الشام، ولعلها المرة الأولى في التاريخ سيكتب المؤرخون فيها أن أسلحة الدمار الشامل من صواريخ بالستية وكيماوي وكلور مسموم، ومعه احتلالات متعددة روسية وإيرانية وأمريكية وبريطانية عجزت عن إخضاع أهل الشام لإرادة الاحتلال والعدوان، بينما نعرف تاريخياً أن الخصم يعلن استسلامه حال تعرضه لأسلحة الدمار الشامل.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قالها منذ فترة طويلة إن النظام السوري سينهار في غضون اسبوعين من خروجهم من سوريا، وهو ما سطره قائد الحرس الثوري في سوريا حسين همداني والذي قتل قبل سنوات على أيدي الثوار بكتابه رسائل الأسماك من أن النظام السوري كان على وشك السقوط عام 2013 ولم ينقذه إلا التدخل الإيراني، وقد عايشت تلك الأيام تماماً بتقدم كبير للثوار وتراجع للعصابة الطائفية يوم كنت أغطي الثورة الشامية لصالح قناة الجزيرة من دمشق.

ستُدرك موسكو وطهران عاجلاً غير آجل أنها دخلت مستنقعاً خطيراً، مستنقع الاستنزاف البشري والمالي، وأنها إن نجحت ظاهرياً وعسكرياً فإنها نجحت معه في كسب عداوة تاريخية مع الشعب السوري الذي صمم على خلع الطغيان وحماته وسدنته المحتلين، وأن قراره هذا لا رجعة عنه، ولعل الـ 12 مليون مشرد سوري قد صوتوا بأقدامهم ضد هذه العصابة الحاكمة وسدنتها، وجاء استفتاء غبي عرضته صفحة قاعدة حميميم بتوجيه سؤال لمتابعي صفحتها بصيغة كيف ينظر الشعب السوري إلى الاحتلال الروسي في سوريا مفاجئاً لهم، حين صوت أكثر من 70% من المشاركين بأنه عدو، وهو ما دفع الصفحة إلى القول بأن هذا التصويت يفرض عليهم البقاء في سوريا لمكافحة الإرهاب والمتطرفين والتكفيريين.

لقد سقطت العصابة الطائفية منذ زمن والأسوأ من ذلك أن نسمع عن النظرة الحقيقية للاحتلال تجاه عملائه وأذنابه فالروسي وصف العصابة ورئيسها بذيل الكلب، ثم الرئيس الأمريكي وصف رئيسها بالحيوان، وقبل أيام يصف الإيراني طاغية دمشق بالمخنث، ولا أدري ماذا يسمى من ينسق ويتعاون ويحمي من هذه صفاته؟!

هي أشياء مضحكة، إذن لماذا تصوتون وهل من قال رأيه بعدوانكم واحتلالكم تكفيري وإرهابي، ومن قال ضده ليس بذاك ، فماذا ستقول عمن حمل السلاح ضدكم إذن .. هي أشياء لا تُشترى، إنها أشياء في أعماق الشخصية الشامية رفضاً للاحتلال، وتشوقاً للحرية، عمادها الدم والتضحيات .. لكنكم قوم لا تعقلونها، قد تكسبون معركة أو معركتين أو ثلاث، لكنكم لن تكسبوا حرباً ما دام هناك نفس شامي ثائر يقاوم محتلاً غاصباً.

بقلم أحمد زيدان 

ربيع ثورة

تجمع ثوري في جنوب دمشق

اترك رد